محمد أبو زهرة
20
المعجزة الكبرى القرآن
الاتجاه الأول إلى إخراجها من الشرك وإدخالها في التوحيد أولا ، ثم من بعد ذلك تكون الدولة الإسلامية المنفذة ، ولكن المحرمات كانت ثابتة من أول تشريع الإسلام ، وإن كان مسكوتا عنها . فلم تكن موضع إباحة ، بل كانت موضع سكوت وعفو حتى ينزل التشريع بتحريمها تحريما قاطعا ، فما كانت الخمر مباحة ، ولكن كان مسكوتا عنها ، أو كانت في مرتبة العفو كما يقول علماء الأصول ، حتى إذا كان المنع الصريح في المدينة ، كان معه العقاب ، وهكذا كل ما كان مسكوتا عنه لم يكن موضع إباحة . ولما انتقل النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة كان التنظيم الكامل للمعاملات لأنه وجدت دولة إسلامية فاضلة ، تنظم العلاقات بين الناس ، وتقوم على تنفيذها ، والقضاء بها ، فنظم التعامل ، وابتدأ بأعلى أنواع التعاون بين الناس وهو الإخاء الذي آخى فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، والأنصار بعضهم مع بعض ، والمهاجرين بعضهم مع بعض ، وشرعت النظم الاجتماعية ، والمعاملات الإنسانية . من أحكام للبيوع والمزارعات . وتحريم للربويات وغيرها . وفرضية الصدقات وتنظيمها ، وإعطاء الفقير حقه ، والتنظيم الاجتماعي الكامل ، وشرعت الزواجر الاجتماعية من حدود وقصاص . وسنت الأحكام الفاصلة بين الحقوق ، وفتح باب الجهاد . ووضعت نظم الحرب ، وقامت العلاقات الدولية على أسس متينة محكمة ، يراعى فيها حق العدو ، كما يلاحظ حق الولي على سواء ؛ لأن المبادئ المدنية في الإسلام قامت على إعطاء كل ذي حق حقه من غير بخس ولا شطط ، ولا مجاوزة للحد ولا اعتداء . ويلاحظ أن مبادئ العدالة جاءت مع وجود الشريعة الإسلامية ، وقد دعا إليها القرآن الكريم في مكة والمدينة ؛ لأن العدالة حق ابتدائي لا يختلف في دولة عن دولة ، فهو يتعلق بالنفس الإنسانية في ذاتها . فالأمر بالعدالة والإحسان والوفاء بالعهد جاء في سورة النحل ، وهي مكية عند نظر الأكثرين ؛ لأن اللّه تعالى يقول فيها وهو أحكم القائلين : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 ) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ( 91 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ [ النحل : 90 - 92 ] . ولقد أحصى القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن السور المدنية . فقال : « عن قتادة نزل بالمدينة من القرآن : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنفال ، وبراءة ، والرعد ، والنحل ، والحج ، والنور ، والأحزاب ، ومحمد ، والفتح ، والحجرات والرحمن ، والحديد ، والمجادلة ، والحشر ، والممتحنة ، والصف ، والجمعة ،